الأخطاء والخطايا

الأخطاء والخطايا /// دكتور جورج هيكل ////
......فصاح هنري كيسنجر غاضبا: "من السخافة أن يظل العالم المتحضر رهينة بين أيادي ٨ ملايين من الهمج". ما خلفية هذا الكلام الذي ما زالت تعيش منطقة الشرق الأوسط تداعياته حتى اليوم؟ في العام ١٩٤٥ إنتهت الحرب العالمية الثانية بفوز الحلفاء، بمن فيهم الاتحاد السوفياتي، على دول المحور المتمثلة بألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية و الامبراطورية اليابانية. ولكن ما أن اختتم مؤتمر يالطا أعماله حتى اندلعت حرب أخرى من طراز آخر بين المنتصرين أنفسهم وبأساليب وادوات مختلفة، عرفت هذه الحرب بالحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي وباقي دول حلف وارسو من جهة، والولايات المتحدة وباقي دول حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى. لم تكن هذه الحرب كغيرها من الحروب التي عرفتها البشرية من قبل. كانت حرباً بالواسطة بين جبارين لم يطلق احدهما على الآخر طلقة واحدة ، وقد استمرت ٤٦ سنة انتصرت بعدها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على الاتحاد السوفياتي وحلفائه انتصارا ساحقا، أما سلاح الإنتصار فلم يكن نوويا ولا جويا ولا بحريا أو بريا، بل كان اقتصاديا بإمتياز، مكن دول حلف شمال الأطلسي من التفوق على غريمهم بالنقاط أولا حتى اتت الضربة القاضية في العام ١٩٩١. إذا، كانت ركيزة الانتصار على الاتحاد السوفياتي اقتصادية، اما ركيزة الاقتصاد فهي الطاقة، وركيزة الطاقة، وتحديدا في النصف الثاني من القرن الماضي، هو النفط. من هنا كانت جميع القوى على الساحة الدولية تتنافس للسيطرة على مصادر النفط كمصدر للطاقة لا غنى عنه، وبات النفط وتأمين مصادره يتعلق بالأمن القومي للدول، وأي خطر عليه يعد اعتداءا على الأمن القومي لهذه الدول لا يمكن السماح به. في ظل هذا الصراع البارد بين الجبارين، كان اتباعهما يتصارعون في مختلف أنحاء العالم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، من اميركا اللاتينية وافريقيا إلى آسيا وصولا إلى الشرق الأوسط حيث الصراع هنا اتخذ أشكالا مختلفة و متشعبة، فتداخل الديني مع العقائدي والمذهبي مع السياسي و العسكري والامني مع العشائري و الجهل والغباء، ولكن الطابع الاقتصادي ظل الهاجس الأول في كل الميادين، سيما وأن المنطقة بدأت تأخذ طابعا استراتيجيا للغرب مع بروز عاملين أساسيين : - الأول انشاء دولة اسرائيل - والثاني اكتشاف مخزونات هائلة من النفط والغاز في الخليج. عاملان محوريان كانت تدور حولهما كل سياسات المنطقة وشكل الحفاظ على الاثنين معا تحديا كبيرا لصناع القرار في الدول الغربية المعنية بملفات المنطقة. فأمن اسرائيل لا يقبل المساومة والحفاظ على مصدر الطاقة من نفط الخليج، وبالتالي حرمان الاتحاد السوفياتي منه، هو من مسلمات الأمن القومي الغربي، لا سيما الاميركي. وقعت الدول العربية حينها في مأزق يصعب الخروج منه بسهولة. إن السكوت عن إنشاء دولة اسرائيل كان مستحيلا، كذلك التخلي عن الصداقة التي تربطهم ببريطانيا والولايات المتحدة والدول الغربية مستحيلا ايضا، خصوصا إذا كان البديل الوحيد المتاح في ذلك الزمن هو الاتحاد السوفياتي الشيوعي والملحد حتى العظم أيام جوزف ستالين (وهو أول دولة تعترف بإسرائيل اعترافا قطعيا في ١٧ أيار ١٩٤٨ أي بعد ٣ أيام فقط من إعلان قيام دولة إسرائيل في ١٤ أيار ١٩٤٨). عضٌ العرب على جرح فلسطين قدر الإمكان، ولعب الشرق والغرب على وتر جهلهم وعشائريتهم من جهة وعلى تعصبهم وتزمتهم المذهبي من جهة أخرى لكي يسيطر عليهم فانقسم العرب إلى فريقين، فريق مقرٌب من الغرب بقيادة الدول النفطية في الخليج، وفريق مقرٌب من الاتحاد السوفياتي بقيادة مصر الناصرية. في ظل هذا الواقع العربي العام الغير متماسك شنت دول الطوق، لا سيما مصر وسوريا، بمساعدة متواضعة من الاردن، هجوما مباغتا على اسرائيل يوم السبت السادس من تشرين الأول سنة ١٩٧٣ فيما عرف بحرب الغفران (كما تعرف في اسرائيل كون هذا النهار كان عيد يوم الغفران عند اليهود أو yom kippur) او حرب تشرين (كما تعرف في الدول العربية). ابلت الدول العربية بلاءأ حسنا على اعتبار أن معظم أفراد الجيش الاسرائيلي كانوا في إجازة العيد فحققت الجيوش العربية خروقات واسعة على الجبهتين الشمالية والجنوبية إلا أن سرعان ما أقامت الولايات المتحدة الأميركية جسرا جويا لامداد اسرائيل بالمعونة العسكرية اللازمة من أجل استعادة زمام الأمور وإنهاء الحرب لصالحها. امام هذا الأمر الواقع الخطير المستجد دعت الكويت بعد أربعة أيام من اندلاع الحرب إلى اجتماع طارئ يعقد في السابع عشر من تشرين الأول ١٩٧٣ لبحث استخدام النفط كسلاح في وجه الولايات المتحدة والدول الغربية المتعاونة معها في إقامة الجسر الجوي لإسرائيل وتحديدا البرتغال وهولندا وجنوب أفريقيا. لم تكن هذه المرة الأولى التى يحاول العرب استخدام سلاح النفط ضد الدول الغربية، فالمرة الأولى كانت سنة ١٩٥٦ يوم قامت بريطانية وفرنسا وإسرائيل بالعدوان الثلاثي على مصر يوم قرر الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، يومها حاول العرب استخدام سلاح النفط ضد هذه الدول لكن هذا السلاح فشل في نهاية الأمر من تحقيق هدفه لأن الولايات المتحدة الأميركية استطاعت تعويض النقص بعد زيادة انتاجها النفطي من ولاية تكساس، لذلك لم تشعر الولايات المتحدة والدول الغربية بخطر هذا الأمر فمر مرور الكرام، فكان هذا الخطأ الأول الذي ارتكبه العرب باستخدامهم هذا السلاح الخطير بطريقة غير محسوبة وغير مجدية. المرة الثانية كانت ردا على حرب ١٩٦٧ حين حظرت السعودية والكويت والعراق وليبيا والجزائر شحنات النفط إلى الولايات المتحدة الأميركية وبريطانية وألمانيا الغربية في وقت كانت الولايات المتحدة المصدر الرئيسي للطاقة الاحتياطية في ذلك الزمن ما أهلها لزيادة الإنتاج بنحو مليون برميل يوميا، فيما تكفلت فنزويلا وإيران (تحت حكم الشاه الموالي للغرب) من تعويض الباقي ما أفشل سلاح النفط العربي من تحقيق أهدافه للمرة الثانية، ومر هذه المرة ايضا دون أن يسبب ضررا حقيقيا، فكان هذا الخطأ الثاني الذي ارتكبه العرب بسوء استخدامهم لسلاح النفط. اما حرب ١٩٧٣ فكانت المرة الثالثة التي يقدم فيها العرب على هذا الامر، وكان الطلب على النفط العربي قد زاد كثيرا وبات الغرب يعتمد بقسم كبير من طاقته على ما يأتيه من نفط من الخليج العربي مع تراجع في إنتاج حقول تكساس الأمريكية. كان اجتماع السابع عشر من تشرين الأول، كما ذكرنا، والذي دعت إليه الكويت، عاجلا، إلا أن تباينات برزت بين الدول المجتمعة، فالعراق وليبيا يؤيدان استخدام النفط سلاحا، أما السعودية كانت تفضل فصل النفط عن السياسة لتخوفها من هذا التكتيك الخطر ولعدم فاعليته في المرات السابقة بالإضافة إلى آراء مختلفة من دول عربية أخرى كالجزائر وانتهى الاجتماع بعد التسوية إلى خفض النتاج ٥% شهريا. لم يمضي على هذا القرار يومين حتى طالب الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون، في ١٩ تشرين الأول، الكونغرس الأميركي بتخصيص مساعدات عسكرية عاجلة لإسرائيل بقيمة ٢.٢ مليار دولار، فقرر الأعضاء العرب في منظمة أوبك تصعيد الموقف وفرض حظر جديد على الولايات المتحدة والدول الأخرى كما ذكرنا، البرتغال وهولندا وجنوب أفريقيا، وقرروا زيادة خفض الإنتاج إلى ٢٥% بموافقة السعودية ودعمها لهذا القرار وبمشاركة دول أعضاء بمنظمة أوبك، بالإضافة إلى التهديد بخفض ٥% إضافية. كذلك، طالبت منظمة أوبك بانسحاب اسرائيل من جميع الأراضي المحتلة سنة ١٩٦٧ في مقابل وقف الحظر النفطي. فعل الحظر فعله هذه المرة، وإن لفترة معينة، فانخفض الإنتاج ٤.٤ مليون برميل يوميا بحلول كانون الأول ١٩٧٣ اي نحو ١٤% من مجمل النفط المتداول دوليا من دون إيجاد مصادر أخرى كافية لسد النقص ما أدى إلى زيادة سعر برميل النفط من 25.97$ للبرميل قبل الازمة إلى 46.35$ للبرميل بداية سنة ١٩٧٤ ما أدى إلى تقنين بالوقود المحلي وارتفاع هائل بالأسعار. لم يمر الحظر النفطي هذه المرة مرور الكرام، بل خلق حالة فوضى وهلع في الأسواق الغربية مع ملاحظة هامة أن الاتحاد السوفياتي كان مكتفيا نفطيا. ان كل أمر محكوم بنتائجه فما كانت نتيجة هذا الحظر؟ نعود هنا إلى ما بدأنا به هذا المقال، ففي أحد سجلات وزارة الخارجية الأميركية هناك واقعة بطلها مستشار الأمن القومي آنذاك هنري كيسنجر خلال اجتماع مع القادة العسكريين والسياسيين في البيت الأبيض في التاسع من تشرين الثاني سنة ١٩٧٣، اي بعد ٦ اسابيع من إعلان السعودية الحظر النفطي وهو الذي عده كيسنجر ابتزازا سعوديا للولايات المتحدة وأوروبا، وقف كيسنجر وصاح غاضبا: "من السخافة أن يظل العالم المتحضر رهينة بين أيادي ٨ ملايين من الهمج". لا شك أن ما قاله كيسنجر حينها لا يشكل إلا جزءا بسيطا مما كان يتبادله المسؤولون الأميركيون فيما بينهم. وإذا كنا نعتقد بأن هؤلاء الساسة هم من فصيلة الساسة الذين يخططون لسنوات وسنوات في المستقبل، ونحن نعتقد ذلك من دون شك، فإنه علينا أن نتوقع منهم أن يقوموا بخطوات جدية وفعلية لتغيير واقع أن العرب يتحكمون بمصير الطاقة في دولهم في ظل شهية لا تنضب لمحاربة اسرائيل وفي ظل حرب باردة لا تعرف هوادة مع عدو لدود مكتف ذاتيا بمصادره للطاقة، اي الاتحاد السوفياتي. صحيح أن الحظر النفطي الاخير لم يغير بالمعادلات السياسية شيئا إلا أنه ارعب الدول الغربية وأقنعها انها تحت رحمة العرب في اخطر أمر يمس أمنها القومي، اي الطاقة، وان الدول العربية قادرة على نسف إسرائيل من اساسها اذا ما تركت لمصيرها دون مساعدة، فراحت هذه الدول تتحين الفرص من أجل تغيير هذا الواقع، فماذا كان المخطط؟ لقد كان المطلوب خلق قوة شرسة ترعب العرب أكثر من إسرائيل ، قوة تسرق القضية الفلسطينية من اهلها وتتاجر بها في سوق السياسة الدولية والمصالح الخاصة. قوة تهدد الانظمة النفطية وتزعزع استقرارها فتدفعها للإرتماء في أحضان أميركا وإسرائيل معا. إذا ما نظرنا إلى خارطة المنطقة قليلا لن نتوه أبدا قبل ان نلاحظ أن المطلوب هو خلق نظام طبق الاصل عن النظام القائم اليوم في إيران. نظام شيعي متطرف همه الاول تصدير الثورة الشيعية إلى الدول العربية السنية والسيطرة بطريقة مباشرة او غير مباشرة عليها وليس تحرير القدس واستعادة الأراضي العربية المحتلة. في هذه المرة ارتكب العرب خطيئة وليس خطأ بعدما هددوا الامن الاقتصادي للدول الغربية من دون أن يتمكنوا من الحصول على أي فائدة سياسية أو غير سياسية، فتآمر عليهم الغرب وفرض عليهم إيران الخمينية لا يزالون يدفعون ثمن مجابهتها حتى اليوم. رصدت الاستخبارات الغربية حال الاضطهاد التي كانت تعيشها الطائفة الشيعية في بعض الدول العربية ليتم استغلالها، كالعراق والبحرين والسعودية واليمن، وحال الاهمال والحرمان في لبنان، كما رصدت حال تململ وغضب الشعب الايراني من بعض تصرفات الشاه الايراني محمد رضى بهلوي فاستغلت حركة الاعتراض التي كان يقودها الامام الخميني داخل ايران ووضعت نصب اعينها دعم هذا الإمام للإنقلاب على الشاه وخلق نظام شيعي متطرف تنطبق عليه المواصفات المطلوبة، وهكذا كان. ففي العام ١٩٧٧ بدأت استخبارات دول عدة تتناقل خبر إمكان انهيار نظام الشاه في ايران، لا سيما الاستخبارات الإسرائيلية، فقامت اسرائيل بتحذير رعاياها في ايران بمغادرة البلد إلا بحالة الضرورة و تطور الأمر فيما بعد إلى إجلاء بعض أفراد السفارة الإسرائيلية في طهران وذلك قبل اندلاع الثورة بقيادة الإمام الخميني في السادس عشر من كانون الاول سنة ١٩٧٩. لقد كان الخميني يعيش في فرنسا منذ ٦ تشرين الاول ١٩٧٨، دون ان ننسى انه امضى حوالي السنة في تركيا (ربيبة الحلف الاطلسي) عند احد ضباط المخابرات التركية سنة ١٩٦٤ قبل ان ينتقل إلى النجف في العراق ثم إلى فرنسا حيث كان على تواصل مع الدول الغربية فيما كان يقوم به من تحضير للانقلاب على حكم الشاه، خصوصا ان التحضير للانقلاب استمر سنتين قبل ان يحصل، فلو كانت الدول الغربية غير راضية على ما حصل لكانت اجهضت مساعي الخميني وافشلتها. من هنا، يمكننا القول ان هذا الانقلاب ما كان ليحصل لولا قب الباط الغربي على اقل تقدير، اذا لم نقل بمساهمة هذه الدول. إن كل أمر محكوم بنتائجه، فما كانت نتيجة هذا الانقلاب؟ اولا، حرب الخليج الاولى بين العراق والنظام الجديد في ايران. ففي هذه الحرب اصطف العرب خلف العراق وانفقوا مليارات الدولارات عليها ما شتت اهتمامهم بالقضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل. ثانيأ، تكافل وتضامن ايران واسرائيل على تدمير برنامج العراق النووي الذي حصل على مساعدة الفرنسيين لتطويره (وهي خطوة اقل ما يقال عنها انها غبية كونهم هم من اعطى اسرائيل الكثير من المعلومات الحساسة لضربه بعدما قبضوا ثمنه)، الا أن إسرائيل لم تكن لتتحمل أي فكرة لحصول العراق أو أي دولة عربية على أي برنامج نووي حتى ولو كان سلميا. ثالثاً، إن اندفاعة إيران لتصدير الثورة الشيعية للدول العربية السنية دفع في نهاية الامر هذه الدول للإرتماء في أحضان الولايات المتحدة الاميركية أكثر فأكثر ومؤخرا في أحضان اسرائيل مثلما فعلت الامارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب فيما عرف بالاتفاق الإبراهيمي في اواخر العام ٢٠٢٠. إن هذه النتائج هي تماما ما كانت تصبو اليه أميركا وإسرائيل وهي تماما ما كان مطلوبا من ايران أن تقوم به. إن أحداثا كثيرة أخرى حصلت على مرْ السنين اثبتت وبما لا يدع مجالا للشك كم أن الدول الغربية وإسرائيل حريصة على استمرار النظام الايراني الحالي على قيد الحياة خصوصا أنه لبى ما هو مطلوب منه على أكمل وجه، ولا يزال. أستذكر هنا حادثتين بارزتين في هذا السياق: الاولى ما عرف ب (Iran Gate) او (Iran-Contra affair) في عهد الرئيس الاميركي الاسبق رونالد ريغن في بداية ثمانينات القرن الماضي حيث كادت إيران ان تخسر الحرب مع العراق بعد نفاذ مخزونها من السلاح والذخائر الا ان أميركا وإسرائيل استدركوا الامر وقاموا بتزويدها بما يكفي من السلاح للإستمرار بالحرب التي انتهت بنتيجة لا غالب ولا مغلوب، من ثم عادوا هم و انقضوا على الرئيس العراقي صدام حسين، بعد خداعه بغزو الكويت، وخلعوه من منصبه بدعم من الدول الخليجية التي ارتكبت بذلك خطيئة فادحة لا تزال تداعياتها عليهم وعلى العراق حتى اليوم. أما الحادثة الثانية، فكانت العام ٢٠١٥ عندما وقع الرئيس الاميركي الاسبق باراك اوباما الاتفاق النووي مع إيران مستدركا سقوط نظام الملالي في طهران بسبب انهيار الوضع الاقتصادي ما سمح بضخ مئات مليارات الدولارات في عروقه ومنع سقوطه. وليس بعيدا من اليوم، كيف يمكن تفسير المفاوضات الاميركية الايرانية الاخيرة بوساطة عمانية والتي تعمل على اطلاق سراح ٣ صحفيين أميركيين في مقابل الافراج عن مليارات الدولارات الايرانية المحتجزة في العراق وكوريا الجنوبية ودول أخرى بالإضافة إلى غض النظر عن بيع إيران لنفطها في السوق الدولية وهي من المفترض أنها تحت العقوبات الدولية. صحيح أن نظام الملالي في إيران أدى خدمات كبيرة لصالح الغرب وإسرائيل إلا أن ذلك لا يعني أنه عميل للغرب وإسرائيل، إن جل ما في الامر انه التقاء مصالح لا يزال قائما حتى إشعار آخر. إن لهذا النظام مصالحه وأهدافه وأجندته الخاصة به، فلا شك أن الخلفية الدينية هي المحرك الرئيسي له كتصدير الثورة من أجل تشييع الدول العربية، فما شهدناه ونشهده في لبنان وسوريا خير دليل على ذلك. بالإضافة إلى غريزة التوسع والسيطرة و إعلاء قيمة إيران إقليميا ودوليا، وهي لا شك أنها أهداف مشروعة إلا أن أساليبها دموية تماما كما هي أساليب الدول الاستعمارية الأخرى التي تدعي إيران محاربتها. وما الخلاف القائم اليوم بين ايران والغرب الا خير دليل على أن الطرفين ليسا حلفاء مضمرين كما يظن البعض كما انهما ليسا اعداء لدودين كما يحاولا أن يوحيا، بل هناك التقاء مصالح مشتركة كما ذكرنا، فتقوم إيران بما تقوم به اليوم مقابل السماح لنظامها بالاستمرار على قيد الحياة والتقدم والتطور إنما من دون أن يصل إلى مرحلة قادر على تهديد مصالح الغرب وإسرائيل فعليا وجديا، كامتلاك سلاح نووي مثلا. هذه حدود اللعبة التى يلعب الجميع ضمنها مع محاولة ايران التفلت منها أحيانا تحقيقا للمزيد من أهدافها. بالنظر إلى حال المنطقة حاليا نستطيع القول ما اشبه اليوم بالامس، فاللعبة ذاتها من جديد، لعبة النفط والغاز، الدول ذاتها مع دخول الصين إليها، اما الوجوه اختلفت مع فارق ان العرب استفاقوا على حقيقة الامور فهل يحسنون التصرف هذه المرة أم سيظلون يدفعون ثمن ما ارتكبوه أو سيرتكبوه من أخطاء وخطايا
؟

تعليقات