اجتهاد حديث للمحاكم اللبنانية صادر عن القاضي إميل عازار

التوازن بين الأمن الشخصي والحق في الخصوصية عند استخدام كاميرات المراقبة قرار قاضي الأمور المستعجلة في أميون، القاضي اميل عازار، القرار رقم 242 تاريخ 28/10/2024 () يبرز هذا القرار مسألة شائكة تتعلّق بالتوفيق بين استخدام كاميرات المراقبة في الأماكن السكنية كأداة فعّالة لمكافحة الجريمة، وتوثيق الأدلّة، وتعزيز الأمن الشخصي، إلى جانب مراقبة الأشخاص الذين قد يكونون بحاجة إلى انتباه خاص أو رعاية، وبين ضرورة حماية الحقوق الأساسية، ولا سيّما حق الأفراد في صون حياتهم الخاصّة وضمان عدم انتهاك خصوصيتهم. كما أنه يعكس الأهمية المتزايدة للامتثال للأنظمة القانونية المتعلقة بالبيانات الشخصية في العصر الرقمي. ويبرز هذا التوازن بين حرية استخدام التكنولوجيا وحقوق الأفراد في حماية خصوصيتهم كعنصر جوهري في تطوير سياسات قانونية فعّالة. ويمثّل تطورًا مهماً في فهم العلاقة بين حماية البيانات الشخصية واستخدام التكنولوجيا الحديثة في الحياة اليومية، ويعكس كذلك إدراك القضاء اللبناني لأهمية معالجة القضايا المتعلقة بالخصوصية في العصر الرقمي والتزام لبنان بالمعايير الدولية المتعلقة بحماية الخصوصية، خاصة في سياق توصيات الأمم المتحدة بشأن الحق في الخصوصية في العصر الرقمي. ويعتبر أنَّ استخدام كاميرات المراقبة في الأماكن السكنية التي يتوقّع فيها الأفراد مستوى عالٍ من الخصوصية، يجب أن يكون مقترنًا باحترام خصوصية الآخرين، لا سيما السكان المجاورين أثناء ممارستهم حياتهم الخاصة وأثناء تنقلّهم، وإنَّ صون كرامة الإنسان يتحقّق عبر احترام حياته الخاصة والمساحات التي يعيش فيها، بما يضمن استقلاليته الذاتية وحماية خصوصياته من التعرّض لأي انتهاك. يعتمد القرار على مجموعة من القواعد القانونية المحلية والدولية، ومنها الدستور اللبناني في المادتين 8 و14 اللتين تكفلان الحرية الشخصية وحرمة المنزل، وتؤكدان على صون كرامة الإنسان واحترام حياته الخاصة. وكذلك الاتفاقيات الدولية كالمادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) التي تضمن الحق في الخصوصية، والمادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR)والقرارات المعتمدة من قبل مجلس حقوق الإنسان، آخرها القرار55/3 لعام 2024، التي أكّدت جميعها على أهمية الحفاظ على الحق في الخصوصية في العصر الرقمي. وفي سابقة قانونية مميزة، يعتبر القاضي عازار أن أنظمة المراقبة المنزلية، رغم استخدامها ضمن النطاق السكني، يجب أن تمتثل لقواعد قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي اللبناني (رقم 81/2018). معلّلاً أن صور الأشخاص وأصواتهم وأماكنهم وأنشطتهم المسجّلة بواسطة الكاميرات تعتبر بيانات شخصية تتيح تحديد هويتهم، وأنّ أيّ عملية أو مجموعة من العمليات التي تُجرى على هذه البيانات الشخصية، مثل تسجيل الفيديو وتخزينه، سواء تمّ ذلك محلّياً على أجهزة DVR/NVR أو على أنظمة NAS، أو في السحابة ... تعدّ بمثابة معالجة آلية تلقائية لها. ويؤكّد أن الاستثناء الوارد في القانون وتحديداً في المادة 85 من القانون رقم 81/2018 يتشابه مع الاستثناء الوارد في المادة 2 فقرة 2 من اللائحة العامة لحماية البيانات GDPR)) في الاتحاد الأوروبي، التي تُعتبر مرجعًا عالميًا في تنظيم معالجة البيانات الشخصية. وبأن هذا الاستثناء بنطبق فقط على الأنشطة الشخصية التي يقوم بها الشخص حصرياً لحاجاته وهي الحاصلة في بيئة منزلية أو داخل أسرة ولغاية الاستعمال الشخصي أو العائلي، والتي لا تنطوي على تهديد لخصوصية الآخرين. ويفسّر أن هذا الاستثناء يطبّق على البيانات المرئية و/أو المسموعة الناتجة عن كاميرات المراقبة العائدة للمساحات الشخصيّة الخاصة والتي يخرج النشاط المتعلّق بها عن قواعد وإطار قانون حماية البيانات الشخصيّة. كبيانات كاميرات المراقبة المثّبتة في المنزل، داخل غرفة المعيشة أو غرفة النوم لمراقبة شخص مسنّ أو في ملعب أو في مسبح خاص لمراقبة طفل لأغراض السلامة أو في مرآب خاص للسيارة. أما خارج هذا الاستثناء، وفي حال تجاوز نطاق الكاميرات الملكية الخاصة لصاحبها لتشمل أماكن أو مساحات عامّة كالشوارع، والأرصفة، والممرات الخارجية، ومساحات حق المرور للعقارات المجاورة، والملكية المشتركة؛ كفسحة المرآب في الأبنية وممرّاته ومداخله ومخارجه، ومداخل الأبنية والشقق، والأدراج، والمصاعد وسواها، وكذلك ممتلكات الغير الخاصة لا سيما عندما تتّصل بالمنازل المجاورة أو بأي جزء منها؛ كأبوابها، ونوافذها، وشرفاتها، وفرنداتها، ولوجياتها، وحدائقها، وسائر أقسامها المختلفة، فيعتبر القاضي عازار وجوب خضوع بياناتها للقواعد والأطر التنظيمية المتعلّقة بحماية البيانات الشخصيّة التي يفرضها القانون نظراً لما ينطوي عليه من تأثير على خصوصيّة الأفراد في تلك المساحات المحميّة، سواء كانت عامة، أو خاصّة مختلفة عائدة للغير، أو مشتركة، أو واقعة في منطقة وسطيّة بين العام والخاص. وتجدر الإشارة إلى إن ما ذهب إليه هذا القرار يعزّز حماية حقوق الأفراد في مواجهة التحديات الرقمية المتزايدة ويتوافق مع المعايير الأوروبية ويعكس التزام القضاء اللبناني بتطبيق أفضل الممارسات في حماية البيانات، سواء لجهة ممتلكات الغير الخاصة التي تتمتّع بمستوى عالٍ من الخصوصية يفوق أيّ مصلحة مشروعة قد تثار في هذا السياق، أو لجهة المساحات العامة، فأتى متوافقاً لهذه الجهة مع اجتهاد محكمة العدل الأوروبية (CJEU). على سبيل المثال يمكن الاطلاع على الحكم الصادر في قضية Ryneš v. Úřad pro ochranu osobních údajů (C-212/13) عبر الموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي: https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A62013CJ0212 ويعتبر القاضي عازار أنّ الحصول على موافقة الأفراد قبل جمع بياناتهم الشخصية أو استخدامها يكرّس حماية الخصوصية كحقّ أساسي في البيئة الرقمية، وبأن هذه الموافقة تستند إلى مبدأ الاستقلال الذاتي للفرد، وتُعتبر ضمانة لحماية الخصوصية والتحكّم بالبيانات الشخصية، فضلاً عن تعزيزها الشفافية والمساءلة. كما يؤكّد أن القانون قد ألزم حصر جمع البيانات في الحدود الضرورية لتحقيق الأغراض المشروعة المعلنة بما يعزّز حق الأفراد في التحكّم بمعلوماتهم الخاصة، وكذلك حظّر معالجة البيانات ذات الطابع الشخصي الحسّاسة. بالإضافة إلى ذلك، منح الأفراد حقوقًا متعلّقة بخصوصيتهم، مثل الاطّلاع على بياناتهم، وتصحيحها، وحذفها، والاعتراض على معالجتها. كما أوجب التصريح والترخيص والنشر، إلى جانب وجوب اتخاذ التدابير التقنية والإدارية اللازمة لحماية البيانات من الاختراق مثل التشفير والتحكّم في الجهات التي يمكنها الوصول إليها، مع تحديده فترة احتفاظ تتناسب مع الغرض المحدّد، وتأكيده على أهمية الرقابة والامتثال، وصولاً إلى فرض عقوبات على المخالفات المرتكبة. وفي الختام، يُحقق هذا القرار توازنًا دقيقاً بين الاحتياجات الأمنية وحقوق الأفراد في الخصوصية. فهو يقرّ بأهمية أنظمة المراقبة لتعزيز الأمن، مع التشديد على ضرورة التزامها بالضوابط القانونية. كما يُمثّل خطوة متقدّمة في تنظيم أنظمة المراقبة المنزلية، من خلال التأكيد على أن حماية البيانات الشخصية يجب أن تظل أولويّة قصوى. ما يوفّر أساسًا متينًا لمعالجة التحديات المرتبطة بالخصوصية وحماية البيانات في عصر التكنولوجيا المتسارعة بما يعزّز الثقة بين الأفراد ويضمن بيئة رقمية آمنة ومستدامة.

تعليقات