البطريرك يونان أعفى تلاميذ طائفته من الأقساط المدرسية هل يتجرأ أحد غيره ؟؟

طوني الحايك /// البطريرك السرياني مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان خطا خطوة جريئة وواضحة في خدمة أبناء طائفته، فعفا تلامذة المدارس السريانية من دفع الأقساط المدرسية، في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الخانقة التي يرزح تحتها اللبنانيون. إنها مبادرة إنسانية وروحية في آن، إذ لامست وجع الأهل وحررتهم من عبء ثقيل على كاهلهم، وأثبتت أن الكنيسة ليست فقط منبراً للوعظ، بل حضناً يرعى أبناءه ويقف إلى جانبهم في أصعب المحن. فمن غيره يستطيع أن يتخذ قراراً بهذا الحجم، وسط الانهيار المالي، وغياب الدولة، وجشع معظم المؤسسات التربوية التي لم ترحم الأهالي؟ إنه موقف يختصر معنى الخدمة الحقيقية والتجرد من المصالح، ويؤكد أن القيادة الصادقة تُقاس بقدرتها على التضحية من أجل كرامة الناس. فهل يجرؤ أحد غيره على القيام بخطوة مماثلة، في وطن تخلّى فيه معظم المسؤولين عن مسؤولياتهم، وأصبح التعليم حلماً يثقل قلوب الأهل قبل جيوبهم وفي المقابل، يقف معظم الإكليروس موقف المتفرّج، وكأن ما يجري لا يعنيه، فيما مؤسساته التربوية والصحية والإنسانية تحصد الأرباح وتزيد الأعباء على المؤمنين بدلاً من أن تساندهم في ضيقاتهم. لقد تحولت بعض هذه المؤسسات إلى شركات تجارية بامتياز، همّها تحصيل الأقساط والفواتير، غير آبهة بصرخة الأهل الذين يعجزون عن تأمين الحدّ الأدنى من احتياجات عائلاتهم. فبينما يبرهن البطريرك يونان أن الكنيسة الحقيقية هي التي تضع الإنسان قبل المال، يفضح الواقع أنّ الكثير من المؤسسات الكنسية فقدت رسالتها، وغرقت في منطق السوق والمكاسب، حتى بات الناس يشعرون أن الكنيسة بعيدة عن آلامهم، تراقب من برجها العالي وتتركهم يغرقون في أزماتهم. وهنا يبرز السؤال المرير: هل يحق للإكليروس أن يبشّر بالمحبة والعطاء فيما هو يضاعف معاناة أبنائه من خلال مؤسساته؟ وأي شهادة مسيحية تُقدَّم إن لم تتجسد في فعل رحمة وتضحية؟ فأي زعيم روحي أو مدني تجرأ اليوم على مثل هذه الخطوة؟ وأي مؤسسة تعليمية كنسية أو مدنية وضعت الإنسان قبل المال، والتلميذ قبل الربح؟ إن ما فعله البطريرك يونان أظهر أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بالمظاهر ولا بالخطابات، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صعبة من أجل كرامة الناس ومستقبل أولادهم. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يتجرأ أحد غيره على السير في هذا الطريق، أم ستبقى المبادرة الاستثنائية يتيمة في وطن اعتاد أن يسمع وعوداً أكثر مما يرى أفعالاً؟

تعليقات