قانون انتخاب المغتربين بين الوهم والإقصاء: على كل ماذا ينفع الشعبٍ المسلوبٍ

نيفين نهرا الحايك //// في بلدٍ أنهكه النهب والارتهان، يُعاد طرح السؤال المؤلم: ما جدوى الحديث عن قانون انتخابٍ جديد أو قديم، إذا كان جوهر النظام السياسي نفسه محصّناً ضد التغيير؟ يتكرّر المشهد ذاته في كل استحقاق: وعودٌ بالإصلاح، ولجانٌ لتعديل القانون، ثم ينتهي الأمر بترسيخ منظومةٍ تمنح الحاكمين مزيداً من الحماية والمواطنين مزيداً من الإحباط. اليوم، ومع الحديث عن تخصيص ستة مقاعد فقط للمغتربين من أصل 128 نائباً، يطلّ السؤال الأخلاقي والسياسي معاً: كيف يُختزل ملايين اللبنانيين المنتشرين في العالم بستة مقاعد رمزية لا تغيّر شيئاً في موازين القوى؟ هؤلاء المغتربون الذين يُنعشون الاقتصاد بتحويلاتهم، ويمدّون أهلهم بالحياة وسط الانهيار، يُكافأون بتمثيلٍ محدود يفرغ حقهم السياسي من مضمونه. القضية لا تتعلق بعدد المقاعد فقط، بل بفلسفة التمثيل. فالقانون، كما هو مطروح، لا يسعى لإشراك المغتربين في صناعة القرار بقدر ما يهدف إلى ضبط مشاركتهم، والإبقاء على الخريطة السياسية كما هي. إنها صيغة تُخفي في ظاهرها إصلاحاً، وتُكرّس في جوهرها الاستمرار: نفس الزعامات، نفس الولاءات، ونفس المعادلة التي تُنتج فساداً في السلم ودماراً في الحرب. في المقابل، يبقى الشعب في الداخل والخارج أسير نظامٍ يعرف كيف يحمي مصالحه مهما تغيّرت النصوص. فالمال المنهوب لا يُستردّ، والمجرمون لا يُحاسبون، فيما تُدار الدولة بمنطق الغنيمة والمحاصصة. الناجون من الانفجار، والمفلسون، والمهاجرون قسراً، جميعهم يشهدون على حقيقة واحدة: اللصوص يعيشون بأمان، والضحايا يُساقون إلى الصمت. إنّ تمثيل المغتربين العادل ليس ترفاً سياسياً، بل حقٌّ دستوري وإنساني يجب أن يعبّر عن حجمهم الفعلي في المجتمع، لا عن هامشٍ يمنحهم فتات المشاركة. فبلدٌ يعيش من تحويلات أبنائه لا يمكن أن يحرمهم من القرار. ستة مقاعد لا تصنع تغييراً، لكنها قد تكون بداية نقاشٍ أوسع حول جوهر الدولة: هل هي ملكٌ لعصابات السلطة أم ملكٌ لشعبٍ يريد استعادة وطنه؟ الوقت حان لأن يخرج النقاش من إطار الأرقام إلى جوهر القضية: التمثيل الحقيقي لا يُقاس بالمقاعد، بل بقدرة الناس على محاسبة من يسرقهم. أما ما لم يتحقق ذلك، فسيبقى القانون مجرد ديكورٍ يُجمّل وجه نظامٍ يأكل أبناءه، ويحتفل بضحاياه

تعليقات